في نهاية التسعينيات، مرت الفورمولا 1 بمرحلة زاخرة بالابتكار و التطور التكنولوجي. كانت الأنظمة الإلكترونية تتقدم بسرعة، و لوائح البطولة في ذلك الوقت كانت تحتوي على الكثير من الثغرات الرمادية التي حاولت الفرق استغلالها بكل شغف. و من هذه البيئة الديناميكية نشأت واحدة من أكثر الابتكارات غرابة و أثراً، وإن كانت قصيرة العمر: دواسة ماكلارين السرية”الدواسة الإضافية” في سيارة ماكلارين F1.
قصة الدواسة الثالثة و خدعة ماكلارين الذكية
بين عامي 1997 و 1998، أضافت ماكلارين إلى سياراتها دواسة ثالثة بجانب دواستي الوقود و الفرامل. هذه الدواسة كانت تسمح للسائق بتطبيق قوة فرملة على العجلة الخلفية اليمنى أو اليسرى فقط، حسب الحاجة.
قد يبدو الأمر بسيطاً للوهلة الأولى، لكنه كان أكثر من مجرد فرملة. في الحقيقة، كان ذلك شكلاً بدائيًا من تقنية توجيه العزم (Torque Vectoring)، أي التحكم بتوزيع العزم بين العجلات لتحسين التوازن و الاستجابة في المنعطفات.
عندما كان السائق، مثل ميكا هاكينن، يضغط على هذه الدواسة، استطاع إدخال السيارة إلى المنعطفات بشكل أكثر سلاسة و دقة، و كأنه يدورها حول محورها دون أن يتسبب في انزلاقها.
فوائد كبيرة بأداة يدوية بسيطة
كان بإمكان السائق اختيار عجلة واحدة لكبحها يدوياً، ما ساعد في تقليل الانزلاق الأمامي (understeer) و تحقيق زاوية دخول أفضل في المنعطف. و الأهم من ذلك، أن النظام لم يكن إلكترونياً ولا آلياً، بل يعتمد على مهارة السائق و حدسه.
و كانت ماكلارين قد صممت مفتاحًا داخل الكابينة يتيح للسائق اختيار أي من العجلتين الخلفيتين يرغب في كبحها حسب نوع المنعطف و هي خاصية أثبتت فعاليتها خاصة في المنعطفات البطيئة.
في أول اختبار للنظام، سجلت السيارة زمنًا أسرع بنصف ثانية في اللفة الواحدة. وقد ساعد ذلك بشكل مباشر في فوز ماكلارين ببطولة العالم في عام 1998.
لكن أين المشكلة و لماذا تم حظره ؟
العبقرية لا تمر دائمًا دون اعتراض. التقط أحد المصورين صورة لسيارة ماكلارين أثناء السباق يظهر فيها قرص فرملة واحد فقط متوهجًا من الحرارة، و هو أمر غير منطقي في تلك اللحظة من السباق.
بعد ذلك، كشف تحقيق صحفي تجريبي أن داخل سيارة هاكينن توجد دواسة غير معتادة. و بالرغم من أن النظام لم يكن يخرق اللوائح حرفيًا، إلا أنه “خالف الروح الرياضية للقوانين” حسب منافسي ماكلارين.
هاجت الفرق المنافسة، و قدموا اعتراضاتهم، لتصنّف الفورمولا 1 التقنية كنوع من التوجيه الرباعي المُدرج ضمن المحظورات في ذلك الوقت. و تم منع الدواسة الثالثة قبل أن تنتقل التقنية لمراحل متقدمة.
و من الطريف أن بعض الفرق اشتكت أن تكلفة تطوير نظام مشابه “باهظة”. لكن الحقيقة تكلفت الفكرة كلها أقل من 50 جنيهًا إسترلينيًا، كما أوضح أحد مهندسي ماكلارين.
الفكرة لم تمت بل تطورت بذكاء
رغم حظرها في الفورمولا 1، إلا أن مبدأ توجيه العزم الفردي للعجلات لم يُنسى. خلال السنوات التالية، بدأت الشركات في تطوير أنظمة إلكترونية مشابهة تعتمد على الكبح الانتقائي للعجلات لزيادة الثبات و التحكم في الزوايا.
في السيارات الحديثة اليوم، خصوصًا الهاتشباك الرياضية و الـSUV الفخمة، تُستخدم هذه التقنية لتحسين تجربة القيادة، من خلال:
- تقليل الانزلاق الأمامي أثناء التسارع و الخروج من المنعطفات
- تعزيز الثبات في الطرق الزلقة أو أثناء القيادة الديناميكية
- إخفاء وزن و حجم السيارة و تحسين شعور السائق بالرشاقة
ثم تطور النظام لاحقاً ليصبح ما يعرف اليوم بـ التروس التفاضلية النشطة لتوجيه العزم، و هو توزيع عزم المحرك بين العجلتين الخلفيتين دون كبح، بل بإعادة توزيع القوة، مما يحقق أداءً أعلى و كفاءة أفضل.
لماذا هذا مهم
ربما بدا للبعض أن “الدواسة الإضافية” مجرد حيلة ثعلبية لماكلارين. لكنها في الحقيقة تُمثل جوهر الابتكار في الفورمولا 1 مكان تُبتكر فيه الأفكار الجريئة، و إن لم يُكتب لها البقاء هناك، لكنها تلهم نقلة نوعية إلى السيارات التي نقودها كل يوم.
ماكلارين لم تخترع توجيه العزم بالاسم، لكنها دون شك كانت أول من طبقه عمليًا بهذا الشكل المُبدع. و اليوم، تقنيات الأمان و الثبات في سيارتك قد تكون أساسها تلك الدواسة الصغيرة التي كادت أن تمر مرور الكرام في أحد شتاءات عام 1998.





