في عالم السيارات الكهربائية، تُعد بطاريات الحالة الصلبة بمثابة الحلم المنتظر. فهي تعد بأداء أعلى، وأمان أكبر، وعمر أطول. ولكن رغم هذه الوعود، واجهت هذه التكنولوجيا عقبات كثيرة جعلت إنتاجها التجاري أمراً صعباً أبرزها الانخفاض السريع في الكفاءة عند التعرض لظروف قاسية مثل الشحن السريع أو التشغيل في درجات حرارة تحت الصفر.
لكن يبدو أن هذا الوضع بدأ يتغيّر.
ففي إنجاز علمي نُشر في مجلة Nature العالمية، استطاع فريق من العلماء الصينيين من جامعتي تسينجهوا و تيانجين أن يبتكروا طبقة “درع مرن” جديدة تحمي بطاريات الحالة الصلبة من التشققات ومشاكل الأداء في الأجواء القاسية.
ماهي بطاريات الحالة الصلبة؟
لفهم أهمية هذا الاكتشاف، فلنأخذ خطوة إلى الوراء.
بطاريات الحالة الصلبة تختلف جذرياً عن البطاريات السائلة التقليدية المستخدمة حالياً في معظم السيارات الكهربائية. بدلاً من السائل الذي ينقل أيونات الليثيوم بين الأقطاب، تستخدم هذه البطاريات مواد صلبة تجعلها:
- أكثر أماناً لأن احتمالية الاحتراق أو انفجارها منخفضة جداً
- أطول عمراً وتدوم لعدد أكبر من دورات الشحن
- واعلى كثافة طاقة مما يعني مدى أطول للسيارة الكهربائية
لكن المشكلة الكبرى هي أنها حساسة جداً لأي تشققات ميكانيكية. فحين تُشحن بسرعة أو تتعرض لطقس بارد جداً، تتكون تشققات في الطبقة العازلة، مما يتسبب بتوزيع غير منتظم لليثيوم، يؤدي إلى ضعف الأداء أو حتى فشل كامل للبطارية.
الدرع الجديد: مرونة بدل الصلابة
هذا ما دفع فريق الباحثين الصينيين إلى البحث عن حل مختلف كلياً.
بدلاً من تقوية الطبقة العازلة (المعروفة باسم SEI أو الواجهة الصلبة للكهارل )، قرروا جعلها أكثر مرونة. استخدموا مواد تعتمد على الفضة مثل (Ag₂S) و (AgF) لتكوين طبقة يمكنها الانحناء قليلاً دون أن تنكسر.
تخيل الأمر كمثل درع مرن يغلف البطارية ويمنع أي توتر داخلي من تحويله إلى شرخ أو ضرر. تماماً كما تعمل الملابس الرياضية عالية المرونة على تهيئة جسد الرياضي للحركة دون إصابة.
النتائج: أرقام مذهلة في درجات حرارة قاسية
عند اختبار هذه التقنية، كانت الأرقام صادمة:
- أكثر من 4500 ساعة تشغيل فعلي تحت ظروف استخدام مكثّف
- ثبات تام على مدار 7000 ساعة عند درجة حرارة -30 درجة مئوية
هذه ظروف كفيلة بجعل أي بطارية أخرى تنهار، خصوصاً البطاريات الصلبة التي لا تتحمل التجمّد. لكن “الدرع المرن” أثبت أنه قادر على حماية البطارية وتوزيع الليثيوم داخلها بشكل متوازن حتى في أقسى الظروف.
تركيبة ذكية: تدريج بين القسوة واللين
العلماء أيضاً لم يعتمدوا على مادة واحدة بل وظّفوا استراتيجية الطبقات التدريجية. استخدموا مواد ناعمة وأخرى صلبة بتدرّج هندسي دقيق.
هذه التركيبة الذكية ساعدت على تقليل الضغط الداخلي داخل البطارية، ومنعت التشققات من الانتشار، وعززت من حركة أيونات الليثيوم بشكل سلس وآمن أثناء الشحن والتفريغ.
هل نحن على أعتاب ثورة في البطاريات؟
رغم التفاؤل الكبير، يشدد العلماء على أن هذه التقنية ما زالت في مرحلة البحث والتجربة وليس الإنتاج التجاري.
لكنها بالتأكيد تفتح الطريق أمام جيل جديد من بطاريات الحالة الصلبة القادرة على تحمّل الظروف القاسية دون أن تتعطل أو تفقد فعاليتها.
ربما لن نرى هذه البطاريات على الطرق خلال الأشهر القليلة القادمة، لكن لا شك أن ما تحقق هو خطوة حقيقية نحو حل واحدة من أكبر مشاكل السيارات الكهربائية في المستقبل.
بطاريات الحالة الصلبة قد لا تكون جاهزة بعد، لكنها بدأت تقترب من أن تكون الخيار الأفضل للسيارات التي نصنعها، ونقودها، ونثق بها في عالم يتحوّل بسرعة نحو الكهرباء.



