هل تساءلت يومًا كيف “ترى” السيارات ذاتية القيادة الطريق من حولها؟ كيف تميز السيارة الأشخاص، الشاحنات، الأرصفة، وحتى الحجارة الصغيرة على الطريق؟ الجواب يكمن في تقنية عبقرية تُعرف باسم LiDAR، وهي من الركائز الأساسية في عالم السيارات ذاتية القيادة الحديثة.
دعونا نأخذك في رحلة تقنية لفهم كيف يعمل نظام LiDAR، ولماذا هو مهم جدًا للقيادة الذاتية.
ما هو نظام LiDAR؟ ولماذا يُشبه عيون الإنسان؟
LiDAR هو اختصار لـ (Light Detection and Ranging)، أي الكشف والتحديد باستخدام الضوء. تخيل شعاع ضوئي يُرسل إلى محيط السيارة ثم يعود بعد أن يصطدم بشيء معين هذه العملية تحدث ملايين المرات في الثانية، وتنتج خريطة ثلاثية الأبعاد لحظية للبيئة المحيطة بالمركبة.
تمامًا مثل كيف ترى العين البشرية المشهد من خلال ارتداد الضوء، تعتمد السيارات الذاتية على LiDAR لتُحاكي هذه الرؤية، ولكن بدقة وسرعة خارقة.
كيف يعمل LiDAR خطوة بخطوة؟
نظام LiDAR يعتمد على مبدأ فيزيائي بسيط لكنه قوي:
- يرسل مستشعر LiDAR نبضات ضوئية قصيرة جدًا نحو ما يحيط بالمركبة.
- ترتد هذه النبضات عند اصطدامها بأي جسم: سيارة، إنسان، شجرة، أو حتى حافة رصيف.
- يلتقط جهاز استشعار خاص هذه النبضات المرتدة ويحسب الوقت الذي استغرقته في الذهاب والإياب.
- من خلال هذه المعلومة تُحسب المسافة بدقة، ثم تُجمع هذه البيانات لملايين النقاط لصنع خريطة ثلاثية الأبعاد دقيقة.
هذه الخرائط تسمح للسيارة أن “تفهم” بيئتها وتتحرك بأمان، كما لو كانت مزودة بحواس إدراك.
ما الفرق بين القيادة في المدينة وعلى الطريق السريع؟
في البيئات الحضرية، حيث السرعات منخفضة، يكفي أن يمتد مدى LiDAR حتى 200 متر لضمان فهم واضح للطريق. ولكن على الطرق السريعة، تصبح التحديات أعقد.
هل فكرت يوماً كيف تكتشف سيارة ذاتية قطعة حديد صغيرة على الإسفلت بسرعة 120 كم/س؟ هنا تظهر الحاجة إلى مدى رؤية يتجاوز 300 متر مع دقة عالية. لذلك يتم تطوير LiDAR أمامي بقدرات أعلى لرؤية التفاصيل البعيدة.
وفي الحالات التي تحتاج السيارة فيها إلى تغيير المسار، تدخل أنظمة LiDAR الجانبية ذات المدى القريب للمساعدة في مراقبة النقاط العمياء.
الرقائق الضوئية: القلب النابض لنظام LiDAR
هنا نجد مفهوم جديد ومهم في عالم LiDAR: الدوائر المتكاملة الضوئية (Photonic Integrated Circuits – PICs).
هذه الرقائق، المصنوعة غالبًا من مركب فوسفيد الإنديوم، تستطيع إنتاج أشعة ليزر عالية الدقة وبترددات دقيقة جداً، والتي تشكل المصدر الحقيقي للضوء في أنظمة LiDAR. ومن أهم مزايا هذه الرقائق:
- إنتاج ليزر قابل للتعديل بدقة (خط طيفي ضيق).
- تحمل أكبر لتقلبات الشمس والضوء الطبيعي.
- مدى أطول وأمان أعلى للعين البشرية.
ببساطة، هذه الرقائق تجعل بيانات LiDAR أوضح وأكثر دقة حتى في أصعب ظروف القيادة، مثل السرعة العالية أو الإضاءة القوية.
هل LiDAR آمن للعين؟
قد تعتقد أن نبضات الليزر خطر على البشر لكن الحقيقة أن نظام LiDAR يُصمم وفق معايير سلامة صارمة تضمن عدم وصول الأشعة إلى شبكية العين.
يستخدم LiDAR أطوالاً موجية تقع في نطاق الأشعة تحت الحمراء (ما بين 1280 و 1650 نانومتر) لا يمكنها اختراق العين، مثل تلك المستخدمة في شبكات الاتصالات البصرية.
أنواع LiDAR المختلفة: أربع تقنيات للتصوير واثنتان للمسافة
لتنفيذ مسح شامل للمحيط، يجمع كل نظام LiDAR بين تقنية للتصوير وأخرى لحساب المسافة. دعونا نفصل أنواع كل تقنية:
تقنيات التصوير:
- LiDAR الميكانيكي: تقليدي و ذو تفاصيل دقيقة لكنه معقد ويحتوي على أجزاء متحركة.
- MEMS LiDAR: يُعرف بأنه شبه صلب، أسرع وأصغر حجماً من الميكانيكي.
- Flash LiDAR: يعتمد على فلاش ضوئي ويحتاج إلى طاقة عالية لتغطية مجال الرؤية.
- Optical Phased Array LiDAR: يوجه الليزر إلكترونياً دون أجزاء متحركة، أكثر استقرارًا.
تقنيات حساب المسافة:
- TOF (Time of Flight): يعتمد على نبضات ليزر لحساب الزمن والعودة، أكثر شيوعًا لكن أقل سرعة في المعالجة.
- FMCW (Frequency Modulated Continuous Wave): الأحدث والأكثر تطورًا، يوفر حساب فوري للسرعة والمسافة بدقة أعلى، ويعمل بكفاءة حتى تحت ضوء الشمس المباشر.
LiDAR في المركبات المستقبلية: أي الأنظمة سيتفوق؟
التوجه العالمي يميل إلى اعتماد FMCW LiDAR كنظام أساسي في السيارات ذاتية القيادة، خاصة بسبب:
- دقته العالية في تحديد الأجسام.
- قدرته على التعامل مع السرعة العالية.
- مرونته في الظروف البيئية المختلفة.
بمعنى آخر، لا يقتصر دوره على الرؤية، بل يُشارك بذكاء في اتخاذ القرارات داخل السيارة، في بيئة تتغير كل جزء من الثانية.
الخلاصة
تقنية LiDAR ليست مجرد عيون إلكترونية، بل جهاز دقيق قادر على قراءة العالم من حوله بسرعة ودقة تفوق الخيال. هي التقنية التي تمنح الذكاء البصري للسيارات ذاتية القيادة، وتُجسّد المستقبل القريب الذي نسير نحوه بسرعة وثقة.
ومع تطور تقنيات الرقائق الضوئية والوصول إلى LiDAR أكثر كفاءة وأمان، يبدو أن هذا “الرادار الضوئي” سيبقى في صميم ثورة التنقل الذكي لعقود قادمة.
هل أنت مستعد لركوب سيارة تقود نفسها، ترى الطريق من خلال النبضات الضوئية؟





