تعد سيارة ديلاهاي 135M ، و تحديدا الشاسيه رقم 49169، واحدة من أكثر السيارات ندرة و إثارة للدهشة في تاريخ صناعة السيارات الكلاسيكية. فهي ليست مجرد وسيلة نقل، بل هي قطعة فنية تجسد ذروة عصر “آرت ديكو” (Art Deco) الفرنسي، حيث اجتمعت الهندسة الميكانيكية المتطورة مع التصميم الانسيابي الجريء الذي ميز ثلاثينيات القرن الماضي.
نبذة عن طراز ديلاهاي 135 إم
أطلقت شركة ديلاهاي الفرنسية طراز 135 في عام 1935، و سرعان ما اكتسبت شهرة واسعة بلقب “ملكة الميادين” بفضل نجاحاتها في سباقات السيارات. أما النسخة M (Modifiee)، فقد جاءت بمحرك أكبر و أقوى، مما جعلها الخيار المفضل لأثرياء أوروبا الذين رغبوا في سيارة تجمع بين الأداء الرياضي و الفخامة المطلقة. وكان من المعتاد في ذلك الوقت أن تشتري الشاسيه و المحرك من ديلاهاي، ثم ترسلها إلى “مُصمم هياكل” (Coach builder) ليصنع لها جسداً مخصصاً حسب الطلب.
هيكل فيجوني وفالاشي: قمة الأناقة
ما يميز الشاسيه رقم 49169 بشكل استثنائي هو الهيكل الذي يحمله، و هو من تصميم ورشة فيجوني وفالاشي (Figoni et Falaschi) الأسطورية. صمم هذا الهيكل بأسلوب “توربيدو رودستر” (Torpedo Roadster)، المستوحى من رسومات الفنان “جيو هام”.
يتميز التصميم بخطوط انسيابية مبالغ فيها، حيث تغطي الأجنحة (الرفارف) العجلات بالكامل، و تندمج المصابيح الأمامية بسلاسة في الهيكل المعدني. هذا التصميم لم يكن يهدف للجمال فحسب، بل كان يهدف إلى تقليل مقاومة الهواء، مما منح السيارة مظهرا يشبه الطائرات أو القطرات المنسابة، وهو ما جعلها أيقونة بصرية لا تخطئها العين.
المواصفات الفنية للشاسيه رقم 49169
تعتمد السيارة على محرك ديلاهاي الشهير المكون من 6 أسطوانات متتالية بسعة 3.5 لتر. هذا المحرك كان مزوداً بثلاثة مكربنات (Carburetors)، مما سمح له بتوليد قوة تتراوح بين 110 إلى 115 حصاناً، و هي قوة كبيرة جدا بمقاييس ثلاثينيات القرن العشرين. كما زودت السيارة بناقل حركة “كوتال” (Cotal) الكهرومغناطيسي، و هو تقنية سابقة لعصرها تتيح تغيير السرعات بسلاسة فائقة بلمسة إصبع.
الرحلة المذهلة: من باريس إلى جبال الجزائر و العودة
تبدأ قصة الشاسيه 49169 في مارس 1938، عندما تم طلب السيارة عبر المستورد الجزائري “السيد ميجلياتشيو” لصالح عميل يدعى “السيد فولد”. شحنت السيارة إلى شمال أفريقيا، و لكن مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، انقطعت أخبارها تماما واعتقد أنها ضاعت للأبد وسط فوضى الحرب.
و في عام 1992، حدثت المعجزة. عثر الهاوي الفرنسي “أنطوان سيرفال” على السيارة في منطقة جبلية في “بلاد القبائل” بالجزائر. كانت السيارة تقبع تحت شجرة زيتون في ساحة خردة، و رغم مرور عقود من الإهمال و الصدأ، إلا أنها كانت لا تزال تحتفظ بهيكلها الأصلي و معظم تفاصيلها النادرة. كانت هذه اللحظة بمثابة “العثور على كنز مدفون”، حيث تعد هذه السيارة واحدة من 11 نسخة فقط تم بناؤها بهذا التصميم، ولا يعرف بوجود سوى 5 منها اليوم.
عمليات الترميم و العودة للأضواء
بعد اكتشافها، نقلت السيارة إلى فرنسا لبدء رحلة ترميم طويلة و معقدة. خضعت السيارة لعمليتي ترميم شاملتين:
-الترميم الأول: ركز على استعادة الشكل الأساسي و استبدال الأجزاء التالفة.
-الترميم الثاني: أجري في إنجلترا بواسطة خبراء متخصصين، حيث تمت إعادة بناء الهيكل بدقة متناهية لضمان مطابقتها للمواصفات الأصلية لعام 1938، مع استخدام الجلود الفاخرة و الطلاء الأسود اللامع المزين بخطوط حمراء دقيقة.
مكانها الحالي متحف بيترسن
في عام 1999، استحوذ “روبرت إي. بيترسن”، مؤسس متحف بيترسن للسيارات في لوس أنجلوس، على هذه التحفة الفنية. و منذ ذلك الحين، أصبحت السيارة واحدة من أهم معروضات المتحف، حيث تعرض كنموذج حي للجمال الهندسي.
شاركت السيارة (أو مثيلاتها من نفس الطراز) في أرقى مسابقات الأناقة حول العالم، مثل “كونكور ديليجانس” في بيبل بيتش (Pebble Beach Concours d’Elegance)، حيث فازت شقيقتها (الشاسيه 48666) بجائزة “الأفضل في العرض” (Best of Show)، مما رفع من القيمة التاريخية و المادية للشاسيه 49169 كقطعة لا تقدر بثمن.
الخلاصة
إن سيارة ديلاهاي 135 إم رقم 49169 ليست مجرد سيارة كلاسيكية، بل هي قصة صمود فني و ميكانيكي. من شوارع باريس الأنيقة إلى جبال الجزائر المنسية، ثم إلى أضواء متاحف كاليفورنيا، تظل هذه السيارة شاهدة على عصر ذهبي في تاريخ التصميم البشري.
إنها تمثل المزيج المثالي بين القوة الفرنسية و الأناقة الإيطالية (عبر فيجوني)، و هي اليوم حلم لكل جامع سيارات و رمز للأصالة التي لا تموت.







