في عالم السيارات الكلاسيكية، هناك سيارات تُصمم، وهناك سيارات تُصنع، ولكن القليل منها يُبنى بحنكة ودبلوماسية. سيارة مازيراتي A6GCS/53 بينين فارينا برلينيتا هي واحدة من تلك القصص الفريدة، حيث تلاقت فيها عبقرية الهندسة، وجمال التصميم، وسياسة العلاقات في كواليس صناعة السيارات الإيطالية مطلع الخمسينيات.
قصة بدأت خلف الكواليس
في عام 1953، كانت شركة بينين فارينا تستعد لتكريس علاقتها مع فيراري كمُصمم الهياكل المفضل للصانع الشهير. لكن عندما سنحت لها الفرصة لتصميم هيكل مذهل على هيكل مازيراتي الرياضي الجديد، كان عليها أن تتصرف بحذر شديد، لأنها لا تريد أن تُغضب إنزو فيراري، الذي لم يكن يرحب بفكرة تعاون بينين فارينا مع خصومه.
فتمت الخطة بصيغة ذكية: باعت مازيراتي الهياكل أولاً إلى وكيلها في روما، جوليلمو “ميمو” دي، وهو بدوره كلّف بينين فارينا بتصميم الهيكل. هذه الخطوة غير المباشرة أتاحت المجال لولادة واحدة من أجمل سيارات السباقات المغلقة في التاريخ.
أساس هندسي مستمد من حلبات السباق
بُنيت السيارة على شاصيه A6GCS/53، وهو تطوير لمنصة A6GCS التي ظهرت أواخر الأربعينيات. أبرز ما ميّزها كان المحرك:
- محرك سداسي مستقيم سعة ليترين
- رأس مزدوج الكامات DOHC – تقنية مستعارة من سيارات الفورمولا 1 في تلك الحقبة
- قوة المحرك: حوالي 170 حصان
- نظام تعليق أمامي Double Wishbone وخلفي بمحور صلب
الهكيل الأنبوبي الخفيف كان مبنيًا من أنابيب كبيرة ومقوّى بعناصر فرعية، بينما جاءت منظومة التعليق أمامية بذراعين مزدوجين، وخلفية بمحور حي. الفرامل كانت بأقراص هيدروليكية، ضخمة لتناسب الأداء العالي.
كل ذلك شكّل قاعدة مثالية لهدف جديد: سيارة رياضية مغلقة بتصميم مبهر.
تصميم أسر القلوب
حين رسمت بينين فارينا خطوط السيارة، نجحت في ابتكار تصميم فريد تجاوز مجرد الانسيابية. مقدمة السيارة جاءت بفتحة تهوية بيضاوية كبيرة يتوسطها شعار مازيراتي، محاط بكشافات مغطاة تندمج بسلاسة في الهيكل.
بعد غطاء محرك طويل لتوفير الحيز الكافي للمحرك الستة سلندر، نجد قمرة قيادة منخفضة ومضغوطة. الزجاج الأمامي كان بانوراميًا يلتف حول السائق ليمنحه رؤية مميزة، وعززت الطابع الرياضي بأنابيب عادم مزدوجة تمتد على جانب السيارة.
ورغم أن بعض اللمسات كانت مألوفة، إلا أن النتيجة النهائية حملت بصمة خاصة جعلتها مختلفة عن أي طراز آخر.
إنتاج محدود وقصة مثيرة
أُنتج من مازيراتي A6GCS/53 بينين فارينا برلينيتا فقط أربع نسخ:
- الأولى أُكملت في أواخر 1953
- الثانية طُرحت في معرض تورينو مع تعديل في السقف والزجاج الأمامي
- الثالثة والرابعة تم بناؤهما في عام 1954، وواحدة منها عُرضت في معرض باريس
ورغم أن الهدف الأساسي لم يكن المشاركة في السباقات، إلا أن حماس تلك الحقبة دفع لزجها في سباقات مثل ميلي ميليا وجيرو دي سيسيليا. لم تُكمل أي منها السباق بسبب الحوادث، لكن مشاركتها أثارت الانتباه.
ومع مرور السنوات، تغيرت مصائر هذه السيارات النادرة:
- بعض الهياكل الأصلية فُككت مبكرًا لأسباب مختلفة
- لاحقًا تم تركيبها على هياكل أخرى
- محاولات إعادة توفيق الأجسام مع الشاسيهات الأصلية باءت بالفشل
- وبُنيت نسخ مطابقة (ريبلكا) لتكمل قصة السيارة
إرث باقٍ رغم كل التحديات
التحالف العميق بين فيراري وبينين فارينا أدى إلى توقف تام في التعاون مع مازيراتي طيلة عقود. إلا أن هذه الحقبة تجددت في العصر الحديث، حين عادت بينينفارينا لتصمم طرازات مثل كواتروبورتي وغران توريزمو، التي حملت شيئًا من روح A6GCS/53 برلينيتا الأنيقة.
واليوم، بقي من النسخ الأصلية اثنتين فقط:
- إحداهما محفوظة في متحف بانيني في إيطاليا
- والأخرى بملكية خاصة ونادرًا ما تظهر علنًا
خاتمة
في عالم السيارات الكلاسيكية، هناك بعض السيارات لا تُقاس بالأرقام والسرعة فقط، بل تعيش بقصصها وتفاصيلها الدقيقة. مازيراتي A6GCS/53 بينين فارينا برلينيتا ليست مجرد سيارة سباق مغلقة، بل شاهد على عصر كانت فيه اللعبة بين العمالقة تُحسم بحنكة التصميم وذكاء التحالفات. تحفة ولدت بصمت… وتركت أثراً لا يُنسى.






