في بدايات القرن العشرين، كان اسم “بويك” لا يعني الكثير لعشاق السيارات، بل كان مرتبطًا أكثر بالأدوات الصحية والسباكة! لكن سرعان ما تغيّر هذا الواقع، بفضل شغف رجل اسكتلندي يُدعى ديفيد دنبار بويك بالمحركات والابتكار.
ولد ديفيد في بلدة أربروث في اسكتلندا، وكان يعمل في مجال السباكة، حتى انتقل في منتصف الثلاثينات من عمره إلى الولايات المتحدة، وهناك بدأت رحلته الجديدة مع محركات البنزين. تحولت ورشته الصغيرة التي كانت تنتج محركات زراعية وبحرية إلى مصنع للسيارات، وأسس باسم “Auto-Vim and Power Co”. لكن الاسم لم يكن له وقع قوي، فاستبدله عام 1903 باسم جديد أصبح علامة فارقة: Buick Manufacturing Co.
ومن هنا بدأت الحكاية
نموذج بويك C 1905: خطوة فخمة نحو المستقبل
بعد انطلاق شركة بويك رسميًا عام 1903، لم تنتظر كثيرًا لتنتج سيارتها الثانية: Buick Model C، والتي ظهرت لأول مرة عام 1905. وجاءت كنسخة مطوّرة من سابقتها موديل B، لكن هذه المرة كانت بويك تسعى نحو ما هو أكثر من مجرد جودة؛ أرادت أن تقدم الفخامة مع الأداء في عبوة واحدة.
بينما كان وليام ديورانت، المروج الذكي لبويك، يعمل على جمع التمويل لبناء مصنع جديد في مدينة فلينت، بدأت بويك بإنتاج موديل C في مصنع مهجور في جاكسون، ميشيجان. ورغم أن السيارة كانت تستهدف شريحة راقية، فإن ديورانت أصر على تسويقها بدرجة أقل من كاديلاك، رغم التشابه الكبير بينهما في المواصفات.
بسعر يعادل منزل صغير!
سعر موديل C عام 1905 كان نحو 1,200 دولار، وهو غير قليل في ذلك الزمن. للمقارنة، كان سعر المنزل البسيط حوالي 2,000 دولار، والحصان الجيد لا يتجاوز 70 دولارًا!
ومع هذا، باعت بويك ما يقارب 750 وحدة من هذه السيارة، وهو رقم ممتاز في ذلك الوقت، خصوصاً أن السيارات لم تكن منتشرة كثيرًا،
تصميم خارجي فخم يلفت الأنظار
ما إن ترى Buick Model C 1905 حتى تلاحظ الشبك الأمامي المزين بالنحاس، والمصابيح الأمامية العاملة بأسيتيلين الأوكسجين (ميزة متقدمة آنذاك)، واسم “Buick” مكتوب بخط يدوي كبير على الشبك. السيارة كانت مكشوفة، ذات سقف قماشي يمكن طيه، لكنها بالكاد تحمي الركاب من الرياح أو الغبار.
أما المكونات الميكانيكية، فاستُخدمت فيها نوابض ورقية (Leaf Springs) لتحمل الصدمات، والإطار الأمامي كان مكشوفًا بالكامل.
من الداخل: مزيج من البساطة والترف
من الداخل، لم تكن هناك أبواب في الجهة الأمامية. لكن في المقابل، المقاعد الجلدية المريحة من نوع دلو (Bucket Seats) كانت مصممة لتثبت الراكب جيدًا. سمّاعة القيادة ذات أربع مقابض تحكم، تساعد السائق على ضبط نسبة الهواء والبنزين، إلى جانب ثلاث دواسات: واحدة للتشغيل، و ثانية للتوقف، و ثالثة للرجوع للخلف
أما القسم الخلفي في السيارة، فكان يتمتع بقدر لا بأس به من الرفاهية. وُجدت فيه أبواب ومساند لتسهيل الدخول والخروج، مما يعكس نية بويك في جذب الزبائن الأثرياء أو كبار الشخصيات.
قوة تحت الغطاء: المحرك ونظام الدفع
المحرك في Buick Model C جاء بأسطوانتين (In-line Two) وسعة متواضعة، لكنه كان يخرج 22 حصانًا في وقت لم تكن القوة الحصانية تعرف هذا المفهوم الحديث. القوة كانت تُنقل إلى العجلات الخلفية من خلال جير من 3 سرعات (سرعتين للأمام وواحدة للرجوع).
ولإثبات الأداء، شاركت السيارة في عدد من سباقات تلك الفترة وحققت نتائج لافتة:
- قطعت مسافة 5 أميال (8 كلم) في 6 دقائق و 19 ثانية في مضمار Readville ببوسطن
- حققت زمنًا قدره 62 ثانية للميل الواحد في نيوجيرسي
- فازت بسباق لمسافة 6 أميال
لماذا تعتبر Buick Model C علامة فارقة؟
لأنها لم تكن مجرد سيارة جديدة، بل كانت تأكيدًا على أن بويك قادرة على المزج بين الرحابة، الأناقة، والأداء على الرغم من التحديات الضخمة في ذلك الوقت.
كما أن دخولها المبكر في سوق السيارات الفاخرة، بأسلوب محسوب، ساعد على ترسيخ اسم بويك كأحد أركان صناعة السيارات الفاخرة في أمريكا لعقود قادمة.
وفي الختام، يمكن القول إن Buick Model C 1905 لم تكن مجرد مركبة عادية، بل منصة انطلقت منها بويك نحو مسيرة طويلة من الابتكار والهيبة، لتصبح لاحقًا ما نعرفه اليوم كرمز من رموز السيارات الأمريكية.







