لطالما اعتبرت بطاريات الحالة الصلبة (Solid-State Batteries) بمثابة الكأس المقدس في عالم السيارات الكهربائية، بفضل وعودها بتقديم كثافة طاقة أعلى و مستويات أمان غير مسبوقة و عمر افتراضي أطول مقارنة ببطاريات الليثيوم أيون التقليدية.
لكن الواقع يبدو أكثر تعقيدًا مما كان متوقعًا، بعدما أكدت شركة CATL، أكبر مصنع لبطاريات السيارات الكهربائية في العالم، أن تقنية بطاريات الحالة الصلبة لا تزال في مراحل التطوير المبكرة، و أن الإنتاج التجاري الواسع لن يحدث في المستقبل القريب.
CATL تقول ما زلنا بعيدين عن الإنتاج التجاري
رغم التوقعات التي أشارت إلى إمكانية بدء الإنتاج المحدود لبطاريات الحالة الصلبة خلال عام 2026، أوضح رئيس مجلس إدارة CATL، روبن زينج (Robin Zeng)، أن الشركة لم تتجاوز سوى المستوى الرابع من أصل تسعة مستويات في خارطة تطوير هذه التقنية.
و أشار زينج إلى أن الوصول إلى مرحلة الإنتاج التجاري الكامل يتطلب بلوغ المستوى التاسع، و هو هدف يحتاج إلى المزيد من الأبحاث و التطوير، خاصة في معالجة عدد من التحديات التقنية المعقدة.
لماذا تعد بطاريات الحالة الصلبة ثورة في عالم السيارات
تحظى بطاريات الحالة الصلبة باهتمام عالمي لأنها تقدم مجموعة من المزايا المهمة مقارنة بالبطاريات الحالية، أبرزها:
- كثافة طاقة أعلى تسمح بزيادة مدى القيادة.
- مستوى أمان أكبر بفضل غياب الإلكتروليت السائل القابل للاشتعال.
- إمكانية شحن أسرع.
- عمر افتراضي أطول مع انخفاض معدل تدهور البطارية.
- تقليل مخاطر ارتفاع درجات الحرارة أو الحرائق.
لهذه الأسباب، تنظر شركات السيارات إلى هذه البطاريات باعتبارها الجيل القادم من تقنيات تخزين الطاقة.
المشكلة الكبرى التشعبات المعدنية (Dendrites)
رغم المزايا الكبيرة، تواجه بطاريات الحالة الصلبة تحديًا تقنيًا بالغ الصعوبة يتمثل في تكون التشعبات المعدنية (Dendrites).
في خلال عمليات الشحن و التفريغ، تتمدد و تنكمش المادة الصلبة داخل البطارية، ما يؤدي إلى ظهور شقوق دقيقة في الإلكتروليت الصلب. تستغل التشعبات هذه الشقوق لتنمو تدريجيًا حتى تصل إلى القطب المقابل،
مما يؤدي إلى حدوث دائرة كهربائية قصيرة (Short Circuit)، و هو ما يتسبب في تلف البطارية بالكامل.
و رغم نجاح العديد من مراكز الأبحاث في تطوير حلول تجريبية، فإن تحويل هذه الحلول إلى خطوط إنتاج ضخمة و بتكاليف مناسبة لا يزال يمثل تحديًا كبيرًا.
CATL تعمل على حل مشكلتين رئيسيتين
أكدت CATL أن أمامها عقبتين أساسيتين قبل الوصول إلى الإنتاج التجاري، و هما:
- تقليل مقاومة التلامس بين مكونات البطارية الصلبة.
- تحسين سلامة التغليف و ضمان استقرار البطارية أثناء الاستخدام طويل الأمد.
و لا تقتصر المهمة على تطوير الخلية نفسها، بل تشمل أيضًا إمكانية تصنيع ملايين البطاريات بجودة ثابتة و تكلفة منافسة.
شركات أخرى أكثر تفاولًا
في المقابل، تبدو بعض الشركات أكثر تفاؤلًا بشأن مستقبل التقنية.
فقد أعلنت عدة شركات آسيوية عن خطط لبدء الإنتاج التجاري لبطاريات الحالة الصلبة بحلول نهاية عام 2026، بينما أكدت شركة دونج فينج أنها تستهدف إطلاق سيارة كهربائية تعتمد على هذه البطاريات مع مدى قيادة يصل إلى 1000 كيلومتر قبل نهاية عام 2026.
و رغم ذلك، يرى خبراء الصناعة أن الوصول إلى إنتاج واسع النطاق يختلف كثيرًا عن تصنيع دفعات تجريبية أو محدودة.
أما داخل CATL، فأوضح كبير العلماء وو كاي (Wu Kai) أن الشركة تأمل في الوصول إلى المستوى السابع أو الثامن بحلول عام 2027، و هي المرحلة التي تسمح بإجراء اختبارات إنتاج تجريبية قبل الانتقال إلى التصنيع التجاري الكامل.
بطاريات الليثيوم الحالية ما زالت تهيمن على السوق
في الوقت الذي تواجه فيه بطاريات الحالة الصلبة هذه التحديات، تستمر البطاريات التقليدية في تحقيق نمو قوي، و خاصة بطاريات فوسفات الحديد و الليثيوم (LFP).
ووفقًا لبيانات السوق الصينية حتى مايو 2026:
- بلغ إجمالي تركيبات البطاريات حوالي 72 جيجاواط/ساعة.
- سجلت السوق نموًا سنويًا بنسبة 26%.
- استحوذت بطاريات LFP على أكثر من 58 جيجاواط/ساعة، أي ما يزيد على 81% من إجمالي السوق.
- بلغت حصة البطاريات ثلاثية المكونات (Ternary) نحو 13.4 جيجاواط/ساعة، بما يعادل 18.6%.
و توضح هذه الأرقام أن بطاريات الليثيوم الحالية ما زالت الخيار الأكثر اعتمادًا لدى شركات السيارات، سواء من حيث التكلفة أو القدرة على الإنتاج بكميات ضخمة.
هل نرى بطاريات الحالة الصلبة قريبًا
رغم أن بطاريات الحالة الصلبة تمثل مستقبل السيارات الكهربائية من الناحية النظرية، فإن تصريحات CATL تكشف أن الطريق لا يزال طويلًا قبل وصولها إلى الأسواق بشكل واسع.
و من المرجح أن تستمر بطاريات الليثيوم الحالية، و خاصة بطاريات LFP، في السيطرة على قطاع السيارات الكهربائية خلال السنوات المقبلة، بينما تواصل الشركات الاستثمار في الأبحاث لحل العقبات التقنية التي تعيق بطاريات الحالة الصلبة.
الخلاصة
بناءً على المؤشرات الحالية، يبدو أن تقنية بطاريات الحالة الصلبة لن تستحوذ على حصة كبيرة من سوق البطاريات قبل نهاية العقد الحالي، و قد يمتد الانتظار إلى ما بعد عام 2030 قبل أن تصبح خيارًا تجاريًا واسع الانتشار.









