في عالم السيارات النادرة، هناك أسماء يعرفها الجميع مثل مرسيدس 300SL جول وينج، و لكن هناك سيارات أخرى لم يسمع بها إلا القليل من عشاق السيارات الحقيقيين. واحدة من تلك الجواهر المنسية هي مرسيدس بوشرت B300 جول وينج السيارة الوحيدة من نوعها في العالم، و المبنية على أساس مرسيدس بنز 300CE من فئة W124.
تخيل سيارة كوبيه أنيقة من الثمانينيات، تتحول بجرأة إلى آلة خارقة تحمل روح الخمسينيات. هذا بالضبط ما فعله المهندس الألماني هارموت بوشرت في عام 1989، حين قرر أن يصنع سيارة مرسيدس بملامح جول وينج مجنحة بعد أكثر من ثلاثة عقود على توقف إنتاج الأسطورة 300SL.
حكاية ولادة الأسطورة الفريدة
بدأت القصة مع مرسيدس 300CE، المزودة بمحرك سداسي مستقيم سعة 3.0 لتر من نوع M103، بقوة 185 حصانًا. سيارة كانت راقية و متحضرة، لكنها ليست خارقة. بوشرت قرر أن يجعل منها شيئًا آخر تمامًا.
فاقتبس الواجهة الأمامية من موديل SL من جيل R129، و استعار مقاعده، و أجرى تغييرات جذرية على هيكل السيارة. تم تحريك عمود السقف الخلفي (C-Pillar) إلى الأمام بمقدار 25 سم، و تقوية العتبات الجانبية لتحمل الأبواب المجنحة بطول 1.66 متر. و النتيجة تصميم غير مألوف أبدًا لعشاق مرسيدس، يبرز بين الكلاسيكية و الجرأة.
أما اللون الخارجي فجاء بدرجة Bornite Metallic البنفسجية المائلة إلى المعدني بلون نادر جدًا . و المقصورة الداخلية جاءت بدرجات بنفسجية كذلك، تغلف المقاعد و لوحة العدادات و عجلة القيادة، لتمنح السيارة حضورًا ملكيًا بكل معنى الكلمة.
القوة تحت الغطاء
لم يكن الجمال وحده كافيًا لبوشرت. لذلك قام بإضافة نظام شحن توربيني مزدوج للمحرك الأصلي، ما رفع قدرته إلى 283 حصانًا و عزمه إلى 299 نيوتن-متر. هذه القوة جعلت السيارة تتسارع من 0 إلى 100 كم/س في أقل من 6 ثواني، و تصل سرعتها القصوى إلى 266 كم/س بأرقام مذهلة في أواخر الثمانينيات.
لنتذكر أن النسخة الأصلية كانت تتسارع في 7.5 ثواني فقط و تصل إلى 225 كم/س، ما يعني أن بوشرت فعلاً أعاد تعريف كلمة كوبيه رياضية في زمنه.
لماذا هذه السيارة نادرة جدًا
عرضت بوشرت B300 جول وينج لأول مرة في معرض فرانكفورت الدولي للسيارات عام 1989، حيث أثارت دهشة الزوار و الإعلام. و بحسب الخطة، كان من المقرر إنتاج 300 نسخة منها بسعر ابتدائي يبلغ 186,000 مارك ألماني (رقم ضخم وقتها).
لكن الواقع كان مختلفًا. فعملية التصنيع كانت معقدة و مكلفة إلى درجة أن المشروع لم يتجاوز 11 سيارة فقط. و الأسطورة الحقيقية من بينها كانت واحدة وحيدة تحمل الأبواب المجنحة، بناها بوشرت بنفسه.
بعد عقود من الزمن، تم بيع هذه النسخة الفريدة عام 2023 مقابل 455,000 يورو، أي نحو نصف مليون دولار أمريكي برقم يؤكد قيمتها التاريخية والفنية.
تفاصيل صغيرة و لكنها تصنع الفرق
داخل المقصورة، يمكن ملاحظة التفاصيل الدقيقة التي تعكس ذوق نهاية الثمانينيات:
- مقود خشبي مغطى بالجلد.
- تشطيبات خشبية راقية على الكونسول الوسطي و لوحة العدادات.
- هاتف مدمج داخل المقصورة، قطعة من الماضي الفاخر.
و إضافة إلى ذلك، حملت السيارة شعار Boschert على الشبك الأمامي و غطاء الصندوق، بدلاً من نجمة مرسيدس الكلاسيكية، لتعلن هوية فريدة وسط عائلة مرسيدس الفاخرة.
جسر بين زمنين
ما يجعل بوشرت B300 جول وينج مثيرة للاهتمام هو كونها صلة وصل بين عالمين:
- روح الأداء الخام و الأناقة الفارهة لسيارات الخمسينيات.
- و بين بدايات التكنولوجيا الحديثة التي كانت تمهد لتطور سيارات التسعينيات و الجيل التالي من مرسيدس مثل SLS جول وينج عام 2009.
بهذا المعنى، يمكن القول إن بوشرت B300 كانت الابنة المفقودة لعائلة الجول وينج الشهيرة؛ السيارة التي ولدت قبل وقتها بسنوات طويلة، لكنها اليوم تحظى بالتقدير الذي لطالما استحقته.
خاتمة
سيارة بوشرت B300 جول وينج ليست مجرد تعديل جريء على مرسيدس 300CE، بل هي تحفة نادرة تجمع بين الإبداع الهندسي و الخيال التصميمي. إنها تذكير بأن عشاق السيارات الحقيقيين لا يتقيدون بالمألوف بل يسعون دائمًا إلى إعادة تعريف الممكن.
و مهما مر الزمن، ستبقى هذه القطعة الاستثنائية من تاريخ مرسيدس شاهدًا على شغف لا يموت بالسيارات الفريدة و المجنحة.







