في عالم السيارات، هناك مركبات تترك أثراً لا يمحى، ليس فقط بسبب أدائها أو جمالها، بل بسبب القصة التي تحملها بين طياتها. و من بين تلك السيارات، تبرز فانتوم كورسير 1938 (Phantom Corsair)، التحفة السوداء الغامضة التي لم يصنع منها سوى نسخة واحدة فقط في عام 1938.
و مؤخراً، وجدت هذه الأسطورة نفسها أمام موقف خطير عندما فقدت فراملها أثناء قيادة جي لينو لها في إحدى حلقات برنامجه الشهير.
من عائلة الكاتشب إلى عالم السرعة
قصة فانتوم كورسير تبدأ بشاب اسمه راست هاينز (Rust Heinz)، الوريث الشاب لعائلة هاينز الشهيرة بمنتجات الكاتشب. لكن بينما كانت العائلة تحكم عالم الأغذية، قرر راست أن يصنع شيئاً مختلفاً تماماً سيارة خارقة تتحدى كل معايير زمانها.
و رغم اعتراض عائلته على هذا المشروع المجنون، قررت عمته أن تموله. و هكذا، في عام 1936، اشترى راست سيارة كورد Cord 810 الجديدة، و استخدمها كأساس لصناعة سيارته الحلم.
تصميم من المستقبل في الثلاثينيات
أراد هاينز سيارة ان لا تشبه أي سيارة أخرى، تواصل مع شركة بومان وشوارتز، المتخصصة في صناعة هياكل السيارات في باسادينا، لتحقيق حلمه الشهيرة في كاليفورنيا. بدأ العمل بنموذج طيني صغير لاختبار الشكل في نفق هوائي بفكرة كانت ثورية في ذلك الوقت. و النتيجة سيارة مذهلة بشكل انسيابي يذكر بمركبة فضائية أكثر من كونه سيارة.
بلغ طول السيارة نحو 6 أمتار و عرضها قرابة مترين، و كان لونها الأسود القاتم يزيدها رهبة و غموضاً. و الأبواب تفتح بضغطة زر كهربائي، و السقف مزود بلوحات هيدروليكية ترتفع لتسهيل الدخول. لم يكن هناك مقابض أو كروم، فقط سطح أملس أشبه بكتلة سوداء تتحرك على الأرض.
تخيل سيارة كهذه في منتصف الثلاثينيات
قوة جبارة و لكن ثقيلة و متعبة
استخدمت فانتوم كورسير محرك V8 سعة 4.7 لتر من شركة ليكوماينج، و تمت زيادة قوته من 145 إلى 190 حصاناً. رقم ممتاز لتلك الفترة، خصوصاً أن السيارة كانت قادرة على الوصول إلى سرعة 185 كم/س برقم مذهل في 1938
لكن الجانب المظلم كان وزنها الهائل، أكثر من 2 طن، و نظام التوجيه الأمامي بدون مساعدة آلية، مما جعل قيادتها أقرب إلى مصارعة شاحنة منها إلى متعة القيادة.
أما الرؤية من الداخل تعتبر كارثة. النوافذ صغيرة جداً، و الزجاج مائل بزاوية حادة، بدون أي مرايا خلفية تقريباً. لا أحد يعلم كيف كان السائق يرى الطريق فعلاً.
مقصورة داخلية غريبةو لكنها فخمة
في الداخل، يمكن أن يجلس ستة أشخاص، أربعة منهم في الصف الأمامي بشكل عرضي بجانب السائق، مع مقعدين صغيرين في الخلف مواجهين للخلف.
لوحة العدادات بدت كأنها قمرة طائرة: 13 عداداً متفرقاً، و بوصلة و مقياس ارتفاع و ايضا مؤشرات تحذيرية للأبواب.
كانت السيارة تجربة علمية على عجلات، أكثر منها وسيلة نقل.
حلم توقف فجأة
بعد ظهور السيارة في فيلم هوليوودي بعنوان The Young in Heart الذي سميت فيه The Flying Wombat، بدا أن النجاح في طريقه إلى هاينز. لكنه توفي Tragically في حادث سير عام 1939 و هو في الخامسة و العشرين فقط. و مع وفاته، مات المشروع معه.
ظلت السيارة وحيدة في مستودع حتى أربعينيات القرن الماضي، قبل أن تنتقل بين أيدي جامعين مختلفين، منهم الكوميدي هيرب شراينر، الذي حاول تعديل مقدمتها لتحسين التهوية و الرؤية.
و في السبعينيات، اشتراها بيل هاراه، جامع السيارات الشهير، و أعادها بأسلوب دقيق إلى شكلها الأصلي كما خرجت من ورشة هاينز أول مرة.
اليوم، تعرض فانتوم كورسير في المتحف الوطني للسيارات في رينو، نيفادا، حيث تجذب عشاق السيارات من كل مكان ليشهدوا على واحدة من أكثر السيارات جرأة في التاريخ.
لحظة الرعب مع جي لينو
قبل فترة، عادت فانتوم كورسير إلى الأضواء عندما استضافها جي لينو في برنامجه Jay Leno’s Garage. و أثناء القيادة على مدرج مطار بوربانك، حدث ما لم يكن بالحسبان فقدت السيارة الفرامل تماماً
لحسن الحظ، اختار لينو مكاناً آمناً للتصوير، و تمكن من إيقاف السيارة بعد لحظات عصيبة. لم تظهر الحادثة في الحلقة المصورة، لكنها رويت لاحقاً من قبل مدير المتحف الذي رافقه خلال التجربة.
كانت تلك اللحظة تذكيراً صارخاً بأن هذه الآلة المدهشة ما زالت نموذجاً تجريبياً من الثلاثينيات، تحمل روح الابتكار و خطورة الماضي.
الخلاصة
سيارة فانتوم كورسير ليست مجرد تحفة ميكانيكية، بل قصة عن الطموح، و الجنون، و الابتكار الذي سبق عصره.
رغم مشاكلها الميكانيكية و ضعف الرؤية و صعوبة القيادة، تبقى رمزاً للخيال الذي لا يعرف حدوداً.
و ربما كانت حادثة جي لينو الأخيرة تذكيراً بسيطاً أن ايضا أعظم الروائع تحتاج أحياناً إلى مكابح أقوى.








