في مشهد يبدو متناقضاً، تشهد صناعة السيارات في الصين نمواً كبيراً في الإنتاج و المبيعات و أزمة في الأرباح لعام 2025، حيث خلف هذا الازدهار الظاهري تختبئ أزمة أرباح خانقة. فخلال الفترة ما بين يناير و نوفمبر من عام 2025، لم تتجاوز هامش الربح في القطاع نسبة 4.4%، لتصبح ثاني أدنى نسبة في تاريخ الصناعة بفارق بسيط عن أقل نسبة سُجلت العام السابق (4.3%).
ما الذي يحدث فعلاً في واحدة من أكبر الصناعات في العالم؟ دعونا نستعرض القصة الكاملة.
نمو في الإنتاج و المبيعات و لكن
حسب الأرقام الرسمية الصادرة عن جمعية سيارات الركاب الصينية (CPCA)، بلغ متوسط إيرادات الصناعة لكل سيارة خلال 2025 حوالي 322 ألف يوان، أي تقريباً 45,800 دولار أمريكي. لكن الربح الفعلي من كل سيارة لا يتجاوز 14 ألف يوان، أو 2,000 دولار فقط.
لنفهم حجم النشاط، إليك الأرقام الإجمالية:
- إجمالي الإيرادات: أكثر من 10 تريليون يوان (1.42 تريليون دولار).
- إجمالي التكاليف: 8.84 تريليون يوان (1.26 تريليون دولار).
- إجمالي الأرباح: 440.3 مليار يوان (62.6 مليار دولار).
رغم أن الإيرادات ارتفعت بنسبة 8.1% مقارنةً بالعام الماضي، إلا أن التكاليف زادت بنسبة 9%، مما تسبب في خنق هوامش الربح.
العوامل التي تضغط على الأرباح
هناك عاملان رئيسيان يقفان وراء هذا التراجع في الهوامش:
1. ارتفاع التكاليف
تكاليف الإنتاج، و خاصة ما يتعلق بمكونات البطاريات في السيارات الكهربائية، شهدت تقلبات كبيرة. المواد الخام مثل الليثيوم و الكبلات تعرف بتقلب أسعارها ، إلى جانب ارتفاع تكلفة اليد العاملة في الصين، مما ساهم في زيادة التكلفة الإجمالية.
2. اشتداد المنافسة
تسببت شراسة المنافسة داخل السوق المحلي في ما يشبه “حرب أسعار”، ليس فقط بين الشركات المصنعة للسيارات الكهربائية، بل امتدت المنافسة أيضاً إلى سوق السيارات التقليدية العاملة بالبنزين.
و الأدهى من ذلك أن الشركات دخلت في معارك داخلية لتوسيع الحصص السوقية، مما أجبر العديد منها على بيع السيارات بخسارة.
مثال واقعي: شركة جريت وول (GWM)
لنأخذ شركة GWM كمثال. خلال أول 3 أربع من سنة 2025، ارتفعت إيراداتها بنسبة 8% تقريباً، لكنها مع ذلك سجلت انخفاضاً في صافي أرباحها بنسبة تقارب 17%. و السبب استثمارها الكبير في شبكات التوزيع، إلى جانب المنافسة السعرية الشرسة التي قللت من هوامش الربح.
و في السوق ككل، تشير بعض التقديرات الصحفية إلى أن:
- أكثر من نصف الوكلاء يخسرون مالياً
- أكثر من 70% من طرازات السيارات تُباع بخسارة
نوفمبر يعكس أملاً محدوداً
رغم الأرقام السيئة خلال الشهور الأولى، شهد شهر نوفمبر 2025 بعض التحسن:
- الإيرادات: 1.144 تريليون يوان (+9.7%).
- التكاليف: 1.016 تريليون يوان (+11.4%).
- الأرباح: 50.8 مليار يوان (+39.2%).
- هامش الربح: 4.4% (أفضل من 3.9% في أكتوبر و 3.3% قبل عام).
هل يعتبر هذا مؤشراً على تحسن قادم ربما. لكن التحديات الهيكلية لا تزال قائمة.
خريطة الإنتاج: السيارات الكهربائية تتوسع
خلال الأشهر الـ11 الأولى من 2025، تم إنتاج 31.09 مليون سيارة في الصين، بزيادة سنوية قدرها 11%. أما المفاجأة الكبرى، فهي في قطاع السيارات الكهربائية:
- السيارات الكهربائية المنتجة: 14.53 مليون سيارة (+27%).
- نسبة انتشار السيارات الكهربائية: وصلت إلى 47% من إجمالي الإنتاج.
- السيارات العاملة بالبنزين: 16.57 مليون سيارة (بلا تغيير يُذكر).
من الواضح أن التحول نحو السيارات الكهربائية في الصين قد بلغ مرحلة النضج، مما يزيد حدة المنافسة و يضغط أكثر على الشركات التقليدية.
خلاصة
صناعة السيارات في الصين تعيش واقعاً معقداً. فعلى الرغم من أن الأرقام الظاهرة توحي بالنمو، إلا أن الأرباح الفعلية تتعرض لضغوط هائلة ناجمة عن:
- ارتفاع تكلفة الإنتاج و المكونات
- المنافسة الشرسة داخل السوق
- التحول السريع نحو السيارات الكهربائية
و هنا يكمن التحدي الكبير: هل تستطيع شركات السيارات الصينية الحفاظ على استقرارها و ربحيتها و هي تخوض واحدة من أعنف مراحل التحول الصناعي في تاريخها
السؤال مطروح و الجواب لا يزال قيد التصنيع.






