في خطوة مفاجئة و لكنها منطقية في نظر الكثير من المهتمين بعالم السيارات، أعلنت شركة مرسيدس انها تتخلى عن القيادة الذاتية من المستوى الثالث لصالح نظام أكثر واقعية النظام الذي تم الترويج له كمستقبل للقيادة الفاخرة. و بدلاً من ذلك، تتجه مرسيدس نحو استراتيجية أكثر واقعية تعتمد على تطوير نظام قيادة مساعد أكثر تطورا من المستوى الثاني، بالتعاون مع شركة NVIDIA.
فما الذي حدث ؟ و لماذا غيرت مرسيدس استراتيجيتها ؟ دعونا نروي القصة من البداية.
رغبة في التفوق على تسلا و لكن
قبل حوالي ثلاث سنوات، حاولت مرسيدس-بنز أن تسبق شركة تسلا في سباق القيادة الذاتية، عبر تقديم أول نظام قيادة ذاتية معتمد من المستوى الثالث للاستخدام التجاري في سياراتها من طراز S-Class و EQS.
و رغم أن تسلا كانت قد سبقت مرسيدس في الشارع، فإنها لم تتجاوز المستوى الثاني من القيادة الذاتية. أما مرسيدس، فقد استغلت تصنيف المستوى الثالث لتروج له على أنه نقلة نوعية تكنولوجية. و لكن صعود هذا النظام كان قصيرا.
ما الفرق بين المستوى الثاني و الثالث
على الرغم من التداخل الكبير بين المستويين، إلا أن الفرق الحقيقي في من يتحمل المسئولية أثناء القيادة:
- المستوى الثاني: السائق يظل المسئول الكامل عن السيارة، حتى لو كانت تقوم بالمناورة و الفرملة تلقائيا.
- المستوى الثالث: النظام يتحمل المسئولية أثناء القيادة في ظروف معينة، مما يعني أن الشركة المصنعة تكون قانونيا مسئولة إذا حدث حادث.
و يبدو أن هذا التغيير في المسئولية لعب دورا كبيرا في تقنين وت شديد استخدام Drive Pilot.
قيود صارمة خنقت النظام
رغم الوعود الكبيرة، كان نظام Drive Pilot يعمل فقط على سرعات منخفضة تصل إلى 64 كلم/س داخل أجزاء محددة من الطرق السريعة في ألمانيا و بعض الولايات الأمريكية مثل نيفادا و كاليفورنيا. و لاحقًا، رفعت مرسيدس السقف إلى 95 كلم/س، لكن فقط في ألمانيا.
بعبارة أخرى، كان النظام مُقيدا للغاية لدرجة أنه بدا، في نظر الكثير، عديم الجدوى مقارنة بنظام تسلا ذا القدرات المفتوحة، رغم أن تسلا تعمل فقط على مستوى ثاني قانونيا.
و مما زاد المر سوء ، أن مرسيدس فرضت رسوما سنوية مرتفعة وصلت إلى 2500 دولار في السنة –مقابل ميزة لا تستخدم إلا في ظروف نادرة. في المقابل، كانت تسلا تعرض نظام القيادة الذاتية لديها مقابل 99 دولار شهريا.
الطلب الضعيف طوى الصفحة
بحسب تقرير لصحيفة Handelsblatt الألمانية، فإن الطلب على Drive Pilot كان محدودًا جدًا، كما أن تكاليف التطوير و التشغيل كانت باهظة. و عليه، قررت مرسيدس إيقاف النظام بالكامل مع عملية تحديث سيارات S-Class القادمة.
أما السبب الأهم كثير من مالكي سيارات مرسيدس الفاخرة، خصوصًا S-Class، لا يقودون سياراتهم بأنفسهم بل يستخدمون سائقين خاصين. فما حاجة هؤلاء لنظام قيادة ذاتية في ظل وجود سائق بشري
الانتقال إلى العقلانية: MB.Drive Assist Pro
عوضًا عن الاستمرار في مغامرة المستوى الثالث، قررت مرسيدس التركيز على تطوير نظام MB.Drive Assist Pro بالتعاون مع NVIDIA. هذا النظام يعمل على المستوى الثاني حاليًا، لكنه يوفر مزايا متقدمة تحاكي في قدراتها بعض ميزات تسلا ذاتية القيادة مثل التنقل داخل المدن و رصد المركبات و التعامل مع الزحام.
و ما يميز هذا الخيار أنه:
- أكثر مرونة و قابلية للاستخدام في جميع أنواع الطرق
- لا يتحمل المصنع المسائلة القانونية بمجرد تشغيله
- أرخص من حيث التكلفة و الاستخدام
وقد تم استعراض النظام سابقًا في معرض لاس فيجاس، و من المتوقع أن يتم إطلاقه مع طرح سيارة CLA الجديدة في الأسواق الأمريكية.
هل هناك أمل للمستقبل
رغم التراجع عن المستوى الثالث حاليًا، لم تغلق مرسيدس الباب بالكامل. فقد تشير الشركة إلى احتمال تطوير النظام مستقبلاً ليصل إلى المستوى الرابع أي عندما يصبح بإمكان المركبة القيادة دون تدخل نهائي من الإنسان في بيئات معينة (ما يعرف بـ Geofencing).
لكن حتى الآن، لا توجد أي مركبة تجارية في الأسواق العالمية تعمل بمستوى 4 أو 5 من القيادة الذاتية.
رسالة مرسيدس للعالم: الواقعية أولًا
من خلال تجربة Drive Pilot، تبين أن القيادة الذاتية ليست مجرد سباق تسويقي أو استعراض تقني، بل مسئولية كبيرة تشمل:
- الاستثمار في السلامة الحقيقية
- دقة متناهية في تشخيص الظروف البيئية و الطريق
- تفادي المغامرة بما يفوق نضج السوق والبنية التحتية والتشريعات
و بالفعل، زودت مرسيدس النظام بمستشعرات LiDAR، و كاميرا خلفية، و مجسات لرصد حالة الطريق، بل و ايضا ميكروفونات لرصد سيارات الطواري. كما أضافت أنظمة توجيه و كبح احتياطية، و مصدر طاقة كهربائية مستقل احتياطي.
لكن كل هذا لم يكن كافيًا لاقناع السوق.
خلاصة القصة:
الطموح في عالم السيارات قد يدفع بالشركات إلى القفز خطوات مبكرة إلى الأمام. لكن مرسيدس-بنز تعلمت درسًا مهمًا: التقنية لا تنجح إذا لم تلبي احتياجات الناس الواقعية، ولا تؤتي ثمارها إن لم تصاغ ضمن أطر قانونية عادلة.
فما بين الرغبة في التميز، و الحاجة للجدوى، قررت مرسيدس أن تعيد هندسة مستقبل القيادة الذاتية ليس عبر وعد كبير من المستوى الثالث، بل من خلال تقديم تجارب أكثر نضجًا و استقرارًا في المستوى الثاني المتطور.
ويبقى السؤال: هل ذلك يعني نهاية مستوى 3 تمامًا ؟ أم هي مجرد هدنة، في طريق أطول نحو قيادة ذاتية كاملة ؟
الأيام كفيلة بالكشف عن الإجابة








