في أوائل التسعينيات، كان مشهد السيارات في أوروبا على موعد مع لحظة فريدة لا تنسى. في بلدة إيطالية هادئة تدعى كامبوجالليانو، قرر رجل الأعمال الطموح رومانو أرتيولي أن يعيد إحياء اسم بوجاتي العريق، فأنشأ مصنعًا متطورًا لتحقيق حلمه. و كانت النتيجة: بوجاتي EB110، سيارة خارقة ذات محرك V12 مزود بأربع شواحن توربينية، تعيد تعريف مفهوم الأداء المتطرف في عصرها.
لكن قصة هذه السيارة لم تخلا من الدراما. فمع انهيار شركة بوجاتي عام 1995، اختفت عدة نسخ من هذا الطراز النادر وسط أروقة المحاكم و أزمات الإفلاس. و من بينها سيارة استثنائية تعرف بالهيكل رقم 39021 نسخة EB110 Super Sport التي كانت تعتبر ذروة الإبداع الميكانيكي لذلك العصر.
الأسطورة المفقودة تعود إلى النور
بعد ما يقارب ربع قرن من الغياب، عادت هذه الجوهرة للظهور. السيارة التي كانت مفقودة منذ 1995 ستتصدر مزاد Mecum Indy 2026 في مايو المقبل، و يتوقع أن يتجاوز سعرها 2.5 مليون دولار.
لكن قيمتها لا تكمن فقط في المال، بل في الرمزية. فهي قطعة من تاريخ السيارات الخارقة، و ذكرى من أيام الصراعات بين بوجاتي و فيراري، حين كانت التقنيات المبتكرة تغير وجه الصناعة.
تفوق هندسي سابق لعصره
تميزت بوجاتي EB110 بتقنيات لم تكن مألوفة في التسعينيات:
- شاسيه من ألياف الكربون تم تطويره بالتعاون مع شركة الطيران الفرنسية Aérospatiale.
- محرك V12 سعة 3.5 لتر مزود بأربع شواحن توربينية و 60 صمامًا، يولد 553 حصانًا.
- نظام دفع رباعي دائم كان آنذاك سبقًا على المنافسين، خصوصًا فيراري.
أما إصدار Super Sport فكان النسخة الأكثر تطرفًا أخف وزنًا بحوالي 150 كجم، و أقوى بطاقة تصل إلى 603 حصانًا. بهذه المواصفات تمكنت السيارة من تحطيم أرقام قياسية عدة، منها:
- أسرع سيارة إنتاج تسير على الجليد بسرعة 296.3 كم/س عام 1995.
- أسرع سيارة في العالم بسرعة 344.7 كم/س عام 1994.
هذه الأرقام لم تكن مجرد دعاية، بل إثبات على أن سيارة بوجاتي EB110 كانت قادرة على الجمع بين السرعة والثبات في أقسى الظروف.
كيف اختفت السيارة
تم تصنيع الهيكل رقم 39021 في 30 مارس 1994، و كان مخصصًا للتجارب التدريبية مع الموردين و ليس للبيع الفعلي. و عندما أُغلقت أبواب مصنع بوجاتي عام 1995 أثناء الأزمة المالية، كانت السيارة خارج المصنع لدى أحد الموردين، فنجت من التسليم للمحكمة و انتهت إلى النسيان.
لسنوات طويلة، ظلت مذكورة في السجلات فقط، دون أي دليل على وجودها المادي. حتى عثر عليها مصادفة في ميونخ بألمانيا، بمسافة مقطوعة لا تتجاوز 300 كيلومتر فقط و كأنها خرجت لتوها من المصنع.
ولادة جديدة على يد مهندسيها الأصليين
بعد اكتشافها، عادت السيارة إلى موطنها الأصلي في إيطاليا، إلى شركة B Engineering، التي أسسها مهندسون سابقون في بوجاتي. تولى المهندسان فيديريكو ترومبي و جياني سيغينولفي إعادة تشغيلها و العناية بكل تفاصيلها الميكانيكية، ليتم إحياء السيارة كما خرجت من المصنع أول مرة.
و جاءت النتائج مذهلة: السيارة احتفظت بكل أصالتها، بمحركها الرباعي التوربو و مقصورتها المكسوة بجلد Grigio Scuro المميز، ولونها الأزرق Blu Bugatti الشهير.
من سيارة منسية إلى نجمة معارض عالمية
اليوم، تعتبر هذه بوجاتي EB110 سوبر سبورت مرجعًا في عالم السيارات الكلاسيكية الفائقة. فقد حصدت:
- جائزة أفضل سيارة في فئتها في معرض The Quail عام 2022.
- جائزة مماثلة في Amelia Island Concours d’Elegance عام 2023.
كما تعد حلقة وصل بين السيارات الخارقة الكلاسيكية مثل فيراري F40 و ماكلارين F1، و بين جيل بوجاتي الحديث الذي سيطر عليه طرازي فيرون و شيرون.
تحفة ميكانيكية بانتظار مالكها الجديد
اليوم، يعتقد أن هذه النسخة من بوجاتي EB110 سوبر سبورت هي الأقل استخدامًا في العالم، بعد أن قطعت فقط 665 كيلومترًا. و تأتي مع كامل مستنداتها الأصلية، بما في ذلك شهادة المطابقة و أدواتها الكاملة.
و عندما تعرض للمزاد في إنديانابوليس، لن تكون مجرد صفقة لاقتناء سيارة، بل ستكون لحظة استلام متأخرة بـ 30 عامًا… لحظة يلتقي فيها الماضي المليء بالشغف بالتكنولوجيا مع حاضر يقدر الندرة و القيمة التاريخية.
بوجاتي EB110 سوبر سبورت ليست مجرد سيارة خارقة مفقودة عادت للحياة، بل قصة عن الطموح، و الابتكار، و الزمن الذي يمكن أن يخفي الجمال لكنه لا يلغيه أبدًا.








